حسن الأمين

323

مستدركات أعيان الشيعة

فقد كان موضوع الدعوى يتعلق فيما إذا كانت الأرض مزروعة حمصا أو قمحا ، فشهد أربعة بأنها كانت مزروعة قمحا وشهد أربعة بأنها كانت مزروعة حمصا ، فكيف تطمئن إلى مثل هذه الشهادات التي تتكرر في كل يوم . وقد عمدت إلى الاتصال باثنين من الفقهاء الموثوقين عندي هما الشيخ علي حلاوي في قاقعية الجسر ، والشيخ محمد علي نعمة في حبوش ، فكنت أبعث فاسالهما سرا عما يعلمان من أمر الشهود ، وهذا أشبه بما كان يعرف في القديم بتزكية الشهود . فكان يخبرني كل منهما بما يعلم من أمر الشاهد المسؤول عنه ، وكانت لهما اتصالات بالقرى المجاورة لقريتيهما ويعرفان الكثير من أحوالها . بيوع الأرض ومما واجهني في الأيام الأولى لبدء العمل فاربكني كل الإرباك هو أن بيوع الأرض في قرى جبل عامل يتم تسجيلها على ورقة يوقعها البائع ، ويوقع معه فقيه القرية وثلاثة أو أربعة من القرية بصفتهم شهود على البيع ، فتصبح هذه الورقة البسيطة أوثق وثيقة . وجاءت الحرب العالمية الثانية فارتفع سعر الأرض وهبطت قيمة العملة الورقية فكشر الطامعون من البائعين عن أنيابهم فتقدموا بدعاوي يطالبون بها باسترداد الأرض واستعدادهم لإعادة ما قبضوه من الثمن . وكان هذا البيع باطلا في نظر القانون ، لأن بيع الأرض لا يتم بهذه الطريقة البسيطة ، بل له شروط غير مجتمعة في هذه البيوع القروية . فكيف أسمح لنفسي أنا بان أحكم برد الأرض المباعة إلى بائعها ، وسلبها من مشتريها بعد أن يرد إليه الثمن الذي أصبحت قيمته أقل من نصف ما كانت عليه أيام البيع . وفكرت في أول الأمر بان أحكم بصحة البيع وأترك لمحكمة الاستئناف أن تبطل حكمي فتكون هي التي حكمت لا أنا . ولكني لم أجد في هذه الطريقة حلا معقولا . وبعد أسبوع من بدء عملي في القضاء كان أمامي أكثر من عشرين دعوى في هذا الموضوع معظمها من قرية أنصار ، فأجلت هذه الدعاوي إلى أكثر من شهر لعلي أجد في هذه المدة حلا . ووجدت الحل فالقانون كان معربا عن القانون الفرنسي ، وفيه نص بان الأرض تنتقل من مالك إلى مالك فيما تنتقل به ( بمفعول العقود ) . والشارع الفرنسي حين وضع القانون كان ينظر إلى الواقع الفرنسي حيث تجري عقود بيع الأرض في الدوائر الحكومية وبموجب عقود ووثائق حكومية ، لا في ديوان فقيه القرية وبموجب وثيقة قروية تحمل تواقيع الفقيه وبعض أهل القرية . لذلك لم يقيد العقد باي قيد . وما دام ( مفعول العقود ) غير مقيد بشيء وغير مشترط فيه شيء ، فهذا عقد صريح واضح . وليس العقد إلا إيجابا وقبولا ، والإيجاب والقبول هما أساس هذه الورقة القروية التي يستند إليها هذا المشتري القروي . وصدرت الأحكام على هذا الأساس ، ولكي أضمن عدم وجود ثغرة فيها تنفذ منها محكمة الاستئناف ، فقد عللت كل حكم تعليلا دقيقا مفصلا ، مبينا فيه فيما بينت تقاليد القرى وعرفها في مثل هذه البيوع . وقد كشفت لي هذه الدعاوي عن حقائق كثير من الناس المتظاهرين بالصلاح ، فقد كان بعضهم في أول من طالب بإعادة الأرض إليه . وجاءني أحدهم وكان ذا مظهر وقور من عمامة وجبة ولحية وسن متقدمة ، فاستقبلته في المنزل ظانا أنها زيارة شخصية ، ولكن تبين أنه هو الآخر يريد استرداد أرضه معللا ذلك بأنه باع الأرض وأرسل بثمنها ولده إلى إفريقيا مهاجرا في طلب الرزق ، وأن ابنه لم ينجح في مهجره ، كان مشتري الأرض مسؤول عن نجاح ابنه وعدم نجاحه . ورحت أنتظر قرارات محكمة الاستئناف ، فإذا بها تقر أحكامي ، فارتحت عند ذلك كل الارتياح . ثم إذا بي أفاجا بشيء جديد : ذلك أن معظم المشترين كانوا قد بدؤوا يسيئون الظن بالناس ، ويشعرون بان طلائع ضياع الثقة قد أطلت ، وأن الزمن آخذ بالتغير ، لذلك احتاطوا لحفظ حقهم بان ضاعفوا ذكر الثمن في ورقة البيع . فإذا كان الثمن الحقيقي مثلا ألف ليرة ، ذكروه في ورقة البيع ألفي ليرة ، وذلك زجرا للبائعين عن أن يقدموا على طلب إعادة الأرض إليهم خوفا من دفع الثمن المضاعف الذي أقروا في الورقة بأنهم قبضوه . ولكن هذا الاحتراز لم يفد شيئا لأن ثمن الأرض قد ازداد أثناء الحرب أكثر من الضعف ، كما أن النقد الورقي قد هبطت قيمته ، لذلك فان البائع كان مستعدا لأن يدفع ضعف ما قبضه من ثمن أرضه على أن ستردها . لقد فوجئت بان هؤلاء البائعين قد أقاموا دعاوى جديدة يقولون فيها بأنهم لم يقبضوا ثمن أرضهم المسجل في ورقة البيع كاملا ، وأنهم يطلبون تحليف الشهود اليمين بأنهم دفعوا هذا الثمن بتمامه . وقد كان هذا تدبيرا شيطانيا بارعا ، ورأيت أنا أن المشترين سيكونون بين أمرين : إما أن يحلفوا يمينا كاذبة فينجوا من دفع ثمن الأرض مضاعفا ، أو أن يتورعوا من حلف هذه اليمين فيغرموا المال . ولكنني وجدت الحل لذلك بان حددت نص اليمين على هذا الشكل : ( احلف بالله العظيم أن ذمتي بريئة من ثمن هذه الأرض ) . وقد حاول أحد المحامين الاعتراض على هذا النص ، ولكني لم أبال به ، وهكذا نجا المشترون من دفع ثمن ما اشتروه مرتين ، ونجوا من حلف اليمين الكاذبة . وعلى ذكر اليمين ، فقد حدث مرة أن وقعت في إحدى القرى وقعة دامية استعمل فيها السلاح الناري وأدى الأمر إلى وقوع جرحى خطرين ، فحضر من صيدا قاضي التحقيق والمدعي العام وبعد أن بدءا التحقيق في القرية القريبة من النباطية جاءا يكملانه في مكتبي واستدعي الشهود والمدعى عليهم واحدا واحدا . وكان قاضي التحقيق يحلف الشهود اليمين المعتادة ، فيحلفوها ، والله أعلم بعد ذلك بصحة شهادتهم أو زورها . وكنت أعرف أنا أن الكثيرين يرون أن اليمين التي يحلفها الشاهد هي يمين باطلة ، لأن لا يمين شرعا على الشهادة ، وحالف اليمين في مثل هذا